محمد متولي الشعراوي

1426

تفسير الشعراوى

إن كلمة « تولوا » توحى بأن الذين استمعوا إلى أوامر الحق قد نفروا وأعرضوا ، فهم لم يأخذوا حكم اللّه ، ثم منعهم الكسل من تنفيذه . لا . إنهم أعرضوا عن حكم اللّه - والعياذ باللّه - ولذلك فقد قلت وما زلت أقول : فليحذر الذين يخالفون عن أوامر اللّه ألا يفرقوا بين أمر متقبل على أنه الحكم الحق وبين حمل النفس على اتباع الحكم وتنفيذه . إياك أيها المسلم أن تنكر حكما لا تستطيع أن تحمل نفسك عليه أو لا تقدر عليه . إنك إن أنكرت تنقل نفسك من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر والعياذ باللّه . ولكن عليك أن تؤمن بالحكم ، وقل : « إنه حكم اللّه وهو صواب ولكني لا أستطيع أن أقدر على نفسي » إن ذلك يجعل عدم تنفيذ الحكم معصية فقط . ويأتي الحق - سبحانه - بعد أن بيّن لنا أصول العقائد في قوله : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) ( سورة آل عمران ) وبعد أن بشر الحق المؤمنين بأنه سبحانه وتعالى يعطيهم الملك الإيمانى وأنه الإله القادر ، وطلاقة قدرته تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ، وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ، وبعد أن رسم سبحانه طريق محبته ، فإن كنتم قد أحببتم اللّه للإيجاد والإمداد ، وتريدون أن يحبكم فعليكم بطاعة اللّه والرسول صلى اللّه عليه وسلم في تنفيذ التكاليف . وبعد أن وضع اللّه سبحانه وتعالى المبادئ الإيمانية عقدية وتشريعية ، بعد هذا وذاك يعطى لنا نماذج تطبيقية من سلوك الخلق ، ذلك أن هناك فرقا بين أن توضع نظريات ويأتي الأمر للتطبيق فلا تجد من يطبق ، إن الحق لم يكلف شططا ولا عبثا ، إن اللّه يقول لنا : أنا كلفت بالتكاليف الإيمانية ومن الخلق أمثالكم من استطاع أن يسير عليها وأن ينفذها ، لذلك يعرض الحق لنا النماذج التي توضح ذلك . لقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مبعوثا إلى أمة أمية ، وكان الإسلام جديدا عليهم ، ولذلك يعرض الحق نماذج قديمة ، وهذه النماذج تؤكد لنا أننا في دين